أحمد ياسوف
54
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ونذكر هنا نبذة من هذه الانتقادات الصريحة لتكون مرتكزا لدراساتنا في فصول آتية ، يقول الدكتور حفني محمد شرف : « إنني آخذ عليه إهماله موسيقا الألفاظ وفصاحتها مفردة ومركبة ، وألتمس له العذر في ذلك ، لأن نظرية الألفاظ وبلاغتها قد أعلنت الحرب شعواء على المعاني وبلاغتها ، لذلك تجده قد جنّد نفسه لنصرة المعاني وبيان قيمتها في نظم الكلام » « 1 » . ولم يقع بين أيدينا من كتب الإعجاز وإبراز حدّه ما كتب في نصرة الألفاظ دون المعاني والنظم ، بدءا من الجاحظ حتى الجرجاني وعصرنا الحديث ، فقد كان العلماء إذا استحبوا ألفاظا مدحوها خفية إن صح التعبير وفي تطبيق مختصر ، ولربما أدخلوا حسنها في نطاق النظم الذي جعلوه مناط الإعجاز القرآني ، إنما كان إكسير النحوية الجليّ من عند الجرجاني ، إذ تحمّس للنظم وبلوره من غير وجود منكرين له . ومن هذه المآخذ ما ورد عند الدكتور البيومي ، إذ يقول : « ولكنه أغفل إغفالا تاما مكانة اللفظ ، ومكان المقطع والفاصلة ، مدّعيا أن شيئا من ذلك لا قيمة له ما لم يراع النظام النحوي في تركيبه ، وفي ذلك بعض الغلوّ الذي ندفعه بما نملك من رأي جعل مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ب « يا » ثم بإضافة الكاف إلى السماء ، ثم بنداء السماء وأمرها . . . وعلى قياسه نستطيع أن نقول : وقيل يا أرض اشربي ماءك ، ويا سماء امنعي ، وأزيل الماء ، ونفّذ الأمر ، واستقرت على الجودي ، وقيل هلاكا للقوم الظالمين ، فيتحقق بذلك ما جعله الجرجاني مبدأ العظمة وحده ، ويوازي القول بالقول دون نقص ، ولكن مهلا ، فإن اختيار لفظ البلع دون الشرب ، وكلمة « أقلعي » دون امنعي ، وفعل « قضي » المبني
--> ( 1 ) مقدمة تحقيقه لتحرير التحبير لابن أبي الإصبع ، ص 54 .